فصل: سورة المجادلة:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: التفسير القرآني للقرآن



.سورة المجادلة:

نزولها: مدنيّة باتفاق.
عدد آياتها: اثنتان وعشرون آية.
عدد كلماتها: أربعمائة وثلاث وسبعون كلمة.
عدد حروفها: ألف وسبعمائة واثنان وتسعون حرفا.
مناسبتها لما قبلها:
ختمت سورة الحديد بقوله تعالى: {وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ}.
وبدأت سورة المجادلة بعدها بقوله تعالى: {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ}.
.. الآيات.
وفى هذا البدء فضل من هذا الفضل العظيم الذي بيد اللّه، إذ قد سمع قول هذه المرأة، التي تشتكى إليه في مجادلتها مع النبيّ في هذا الظّهار الذي أوقعه زوجها عليها، والذي من شأنه أنه لو مضى إلى غايته لبدّد شملها، وأفسد عليها حياتها، وأخرجها من هذا العشّ الذي يضمها ويضم صغارها.
استجاب اللّه سبحانه وتعالى لشكاة هذه المرأة، وسفّه زوجها الذي أتى هذا الأمر المنكر معها، وأمسك بالمرأة وصغارها في هذا العش الذي كانوا مهددين بالطرد منه. كما سنرى ذلك في تفسير هذه الآيات.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرحيم.

.تفسير الآيات (1- 6):

{قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (1) الَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسائِهِمْ ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ إِنْ أُمَّهاتُهُمْ إِلاَّ اللاَّئِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَراً مِنَ الْقَوْلِ وَزُوراً وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (2) وَالَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْ نِسائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (3) فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً ذلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ أَلِيمٌ (4) إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَما كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَقَدْ أَنْزَلْنا آياتٍ بَيِّناتٍ وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ (5) يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا أَحْصاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (6)}.
التفسير:
قوله تعالى: {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ}.
هكذا تبدأ السورة الكريمة، بهذه اللفتة الكريمة، من رب كريم، إلى امرأة من عامة النساء، لا يكاد يلتفت إليها أحد من قومها، بل لا يكاد يكون لها مكان ظاهر بين جيرانها الفقراء المغمورين من نساء ورجال.
فلقد سمع اللّه سبحانه قول هذه المرأة، التي جاءت تعرض على النبي شأنا من شئونها مع زوجها، وتشتكى إلى اللّه بين يدى النبي الكريم ماورد عليها من زوجها من أذى.. والنبي لا يجد سبيلا لإزالة ما تشكو منه.
والإخبار بسماع اللّه سبحانه وتعالى لشكاة هذه المرأة ليس مرادا به مجرّد العلم بمضمونه، فاللّه سبحانه وتعالى يسمع كل ما تنطق به الألسنة، وما تهمس به الخواطر، وما توسوس به النفوس. بل المراد بهذا الخبر- واللّه أعلم- هو التنويه بشأن هذه المرأة، وردّ اعتبارها إليها عند نفسها كإنسان كرّمه اللّه، وبعث إليه رسله بآياته وكلماته، وذلك بعد أن وجدت وجودها يكاد يضيع بيد زوجها الذي استخفّ بها، وعرّضها لهذا الضياع، ثم لم تجد عند رسول اللّه- صلوات اللّه وسلامه عليه- الحماية الكافية لردّ هذه اليد الباغية عليها، إذ لم يكن بين يدى الرسول الكريم حكم من اللّه، في شأن الظّهار والآية الكريمة، والآيات التي بعدها تشير إلى حدث وقع بين امرأة بعينها وزوج بعينه، وإن كان لم يذكر لهما اسم.. لأن ذكر الاسم هنا لا ضرورة له، إذ كان هذا الحدث وإن تعلق بهذين الزوجين، ينسحب إلى كل زوجين، وإلى المبادي التي تحكم الصلة بين الزوج ولزوجة، أو الرجل والمرأة.
ومع هذا فقد احتفظ تاريخ النزول القرآنى باسم كل من المرأة والرجل، كما احتفظ القرآن الكريم بالحدث الذي وقع بينهما.
يقول المفسرون: نزلت هذه الآيات في امرأة من الأنصار، من الخزرج، واسمها خولة بنت مالك بن ثعلبة، وزوجها أوس بن الصامت، أخو عبادة ابن الصامت الصحابي المعروف.. قالوا وكان منه غضبة على امرأته هذه، فقال لها مغاضبا: أنت علىّ كظهر أمي.. وكان الظهار من طلاق أهل الجاهلية، وقد ندم زوجها على ما قال، وقال لها ما أظنك إلّا حرمت علىّ، فقالت لا تقل ذلك وائت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، فقال إنى أجدنى أستحى منه أن أسأله عن هذا، قالت: فدعنى أسأله. قالوا: فأتت النبي صلى اللّه عليه وسلم، وقالت:
يا رسول اللّه، إن أوس بن الصامت تزوجنى وأنا شابة ذات مال وأهل، حتى إذا أكل مالى وأفنى شبابى وتفرق أهلى، وكبرت سنى- ظاهر منّى، وقد ندم، فهل من شيء يجمعنى وإياه، فتنعشنى به؟ فقال صلى اللّه عليه وسلم: «ما أراك إلّا حرمت عليه»! قالت يا رسول اللّه، والذي أنزل عليك الكتاب ما ذكر طلاقا، وإنّه أبو ولدي وأحب الناس إلىّ، وإنى إذا فارقته وضم الأولاد إليه ضاعوا، وإن وأنا ضممتهم جاعوا!! فقال «ما أراك إلا حرمت عليه، ولم أومر في شأنك بشيء».
قالوا فجعلت تراجع رسول اللّه، وكلما قال لها رسول اللّه حرمت عليه، هتفت وقالت: أشكو إلى اللّه فاقتى، وحاجتى، وسوء حالى.. قالوا فما برحت مكانها، حتى أخذ رسول اللّه ما يأخذه من الوحى، فلما قضى الوحى قال: ادعى زوجك، فدعته، فتلا عليه الرسول الكريم الآيات الأولى من أول السورة.. وقال له: أعتق رقبة، فقال لا أجد، فقال: فصم شهرين متتابعين، فقال: لا أستطيع، إنى إذا جعت كلّ بصرى، وخشيت أن تغشى عيناى، فقال: فهل تستطيع أن تطعم ستين مسكينا؟ فقال لا واللّه، إلّا أن تعيننى على ذلك، فأعانه الرسول صلوات اللّه وسلامه عليه بخمسة عشر صاعا.
هذا هو موجز القصة من بين الروايات الكثيرة المختلفة الأقوال في اسم المرأة، واسم زوجها، وإن كان هذا كما قلنا لا يؤثر في الحكم الواقع على الحدث نفسه، وهو الظهار.
وفى قوله تعالى: {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ}.
فى هذا- كما قلنا- لفتة كريمة من رب كريم إلى تلك المرأة الضائعة في معترك الحياة، وتطييب لخاطرها، وأنه إذا كان الرسول الكريم قد استمع لشكاتها، ولم يجد لها عنده جوابا شافيا- إذ كان الظهار أمرا معترفا به في الجاهلية، ولم يكن الإسلام قد عرض له بشيء حين قرر أحكام الطلاق، حتى وقعت هذه الحادثة- نقول، إذا كان النبي قد استمع لشكاتها، ولم يجد لها عنده جوابا شافيا، فإن اللّه سبحانه، قد سمع هذه الشكاة، واستجاب لها، وطيب خاطرها، ورد لها اعتبارها، وأنزل العقوبة الرادعة بمن جار عليها.
ونلمح في الآية الكريمة شيئا من العتاب الودود من اللّه سبحانه وتعالى للنبى الكريم. وأنه إذا كان لم يكن بين يديه حكم اللّه فيما تشتكى منه المرأة مما فعل بها زوجها بهذا الظهار الذي أوقعه عليها، فإنه كان عليه- صلوات اللّه وسلامه عليه- ألّا يقطع في شأنها بهذا الحكم الذي يقضى بالفرقة بينها وبين زوجها- وأن عليه- صلوات اللّه وسلامه عليه- أن ينظرها مدة حتى يقضى اللّه في شأنها، فإذا مضى زمن ولم ينزل في شأن هذا الأمر قرآن، أجراه على ما هو جار عليه.. فهذا الأمر- أمر الظهار- منكر وزور من القول- كما وصفه القرآن بهذا فيما بعد، وأمر هذا شأنه، كان على النبي أن يتوقف فيه إلى أن يتلقّى أمر ربّه في شأنه.
وقوله تعالى: {تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها} أي تحاورك، وتحاجك فيما وقع بينها وبين زوجها.. وفى هذه المجادلة ما يكشف عن أن المرأة تنكر هذا الظهار في شريعة هذا الدين الذي آمنت به، وأنها لو كانت على جاهليتها لما أنكرته، ولا ستسلمت لهذا الأمر الواقع.. وهذا يعنى أن الإسلام فتح على الذين دخلوا فيه آفاقا رحيبة مشرقة من التفكير السليم، والمنطق الحكيم، الذي يرفض الزور من القول، والمنكر من العمل.. فقد رأت المرأة على ضوء الشريعة الإسلامية، أن أمرا كهذا لا يتفق مع ما جاءت به هذه الشريعة من الرحمة والعدل، والسماحة واليسر.
ونعوذ باللّه أن نفهم أو يفهم مسلم، أن الرسول صلوات اللّه وسلامه عليه- قد غاب عنه ما في هذا الأمر من منكر غليظ، ولكنه صلوات اللّه وسلامه عليه- كان في مجلس الفصل والقضاء بحكم منصبه النبوي، وهو لا يقضى بعلمه هو، وإنما يقضى بما أوحى إليه من ربه وبما أراه اللّه من آياته وكلماته، كما يقول سبحانه: {إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ} [105: النساء].
فالرسول صلوات اللّه وسلامه عليه، وإن كان ينكر هذا الذي حدث من الرجل لزوجه، إلا أنه لم يكن قد جاءه من عند اللّه حكم في الظهار الذي كانت تتعامل به الجاهلية، وتعدّه ضربا من ضروب الطلاق، تحرم به المرأة على زوجها.
وفى قوله تعالى: {تُجادِلُكَ} إشارة أخرى إلى احترام الشريعة الإسلامية للإنسان، وإعطائه حقه كاملا في استعمال عقله، ومراجعة غيره، فيما يعرض له من قضايا الحياة.. ونرى هذا واضحا في موقف المرأة من النبي ومراجعتها رسول اللّه فيما رآه في الموقف الذي بينها وبين زوجها، حتى أنها لم تسلّم النبي بما رآه، وكان هذا الرأى عن اجتهاد في أمر لم ينزل فيه على النبي، حكم سماوى، كما أخبرها الرسول- صلوات اللّه وسلامه عليه- في قوله: {ما أراك إلّا حرمت عليه ولم أومر في شأنك بشيء}!! ولهذا سمّى القرآن موقفها هذا مجادلة، ولم ينكر عليها ذلك، بل جاءها بالرحمة الراحمة والفضل العظيم.
وفى إضافة المرأة إلى زوجها في قوله تعالى: {تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها} إشارة إلى أن المرأة لا زالت زوجا لزوجها، لم تحرم عليه حرمة مؤبدة، بل ما زال هناك سبيل إلى وصل هذه العلاقة التي توشك أن تنقطع، وفى هذا إرهاص بأن الخبر المقبل من السماء- وراء هذا الاستفتاح- هو خبر يحمل استجابة من اللّه سبحانه وتعالى لشكاة هذه المرأة ومجادلتها في أمر زوجها وفى قوله تعالى: {وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما} إشارة ثالثة إلى هذا الحوار الذي جرى في الحديث الذي كان بين المرأة وبين النبي.. فهى تتجه اتجاها، والنبي يتجه اتجاها آخر.. هي تريد ألا يكون الظهار طلاقا تحرم به على زوجها، والنبي يراه طلاقا تقع به الحرمة بينها وبين زوجها.
وفى الجمع بين النبي الكريم، والمرأة الشاكية، وفى التسوية بينها وبين النبي الكريم في إصغاء اللّه سبحانه، إلى هذا الحوار في قوله تعالى: {وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما} في هذا ما يرفع من خسيسة المرأة، بل ومن خسيسة الإنسانية كلها، دون أن ينزل ذلك من قدر النبي، ومن مكانه المكين عند ربه.. وهذا من فضل اللّه على الناس، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
وسمع اللّه سبحانه وتعالى لهذا الحوار، ليس سمعا مطلقا، إذ أن اللّه سبحانه يسمع كل شيء، في السماء والأرض.. ولكن السماع هنا سماع استجابة، وفصل في هذا الحوار.
وعبّر بلفظ السمع، دون الاستماع، لأن السمع يكون من غير طلب، على حين لا يكون الاستماع إلا بطلب، واللّه سبحانه يسمع كل شيء من غير طلب لما يسمع، سواء أكان هذا المسموع سرا أو جهرا، وقريبا أو بعيدا.
وقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ} إشارة إلى أن سمع اللّه يحتوى كل شيء يقع في هذا الوجود، وأن هذه المسموعات جميعها واقعة في علم اللّه موقع المبصرات، حيث تكشف المسموعات لعلم اللّه، حقائق مشاهدة، فيقضى سبحانه فيها عن علم لا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض، كما يقول سبحانه لموسى وهرون: {إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَأَرى} [46: طه].
قوله تعالى: {الَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسائِهِمْ ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ إِنْ أُمَّهاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَراً مِنَ الْقَوْلِ وَزُوراً وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ}.
هذا هو بيان لحقيقة الظهار، وإنه منكر من القول، وزور من الكلام، لأنه يجعل من الزوجة أمّا، الأمر الذي لا يمكن تصوره، ولا تحتمل اللغة مدلولا له على هذا الوجه الذي تتعامل به الجاهلية.
وقوله تعالى: {ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ} جملة اسمية، هي خبر للمبتدأ: {الَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسائِهِمْ}.
و{ما} هنا نافية، تعمل عمل إن في لغة الحجاز، وتسمى ما الحجازية للتفرقة بينها وبين {ما} التميمية التي تفيد النفي، ولا تعمل عمل إن في لغة تميم.
و{أمهاتهم} خبر ما منصوب بالكسرة.
وقوله تعالى: {إِنْ أُمَّهاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ} هو توكيد لقوله تعالى: {ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ}.
و{إن} هنا نافية بمعنى {ما}.
وقوله تعالى: {وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَراً مِنَ الْقَوْلِ وَزُوراً} هو حكم على هذا القول الذي يقوله المظاهرون، وهو قولهم للزوجة: «أنت علىّ كظهر أمي».
فهو قول منكر، لأنه يضع الأمّ في صورة الزوجة، وفى هذا استخفاف بحرمة الأمومة، وامتهان لقداسة هذه الحرمة، ووضعها مع الزوجة على كفتى ميزان. في الحرمة، وفى الحلّ على السواء.. وهو مع ما فيه من منكر غليظ، هو زور من القول: فالزوج لا تكون أمّا أبدا، والأم لا تكون زوجا بحال.
وقوله تعالى: {وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ} إشارة إلى أن اللّه سبحانه قد وسع بعفوه ومغفرته، ما بقع من عباده من منكر وزور، إذا هم رجعوا إليه، وطلبوا عفوه ومغفرته: {وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ} [135: آل عمران] قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْ نِسائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً ذلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ أَلِيمٌ}.
بعد أن بينت الآية السابقة حقيقة الظهار، وكشفت عن زيفه وبهتانه، جاءت هاتان الآيتان لتبينا حكمه إذا وقع، وهذا من تمام الحكمة والتشريع، حيث يعرف وجه الأمر أولا، ثم يلحق به الحكم المناسب له، فيكون للحكم موقعه من العقول، وأثره في الأخذ به، والامتثال له، فعلا، أو تركا.
وقد اختلف المفسرون في تأويل قوله تعالى: {ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا}.
وهل معنى العود الرجوع عما قالوا والعدول عنه، أو العود إليه مرة أخرى، بمعنى أن يظاهروا مرة أخرى بعد المرة الأولى.. وبهذا القول يقول أهل الظاهر، وعلى هذا تكون كفارة الظهار عن المرة الثانية، أما الأولى، فلا كفارة عليها في مذهبهم.
والرأى المعول عليه، هو أن معنى العود لما قالوا، هو نقض ما قالوه، والرجوع عنه.. هذا ما يكاد يجمع عليه المفسرون.
ولكن يبقى بعد هذا ما يقال من أن اللغة لا تساعد على هذا المعنى، إذ يقال عاد إلى كذا أي رجع إليه، بعد أن فارقه، ومنه قوله تعالى: {وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ} [28: الأنعام] وقد جاء في سورة المجادلة نفسها قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوى ثُمَّ يَعُودُونَ لِما نُهُوا عَنْهُ} [8: المجادلة].. فالعود إلى الشيء، معناه الرجوع إليه، لا الرجوع عنه.
ونقول- واللّه أعلم- إن العود هنا هو بمعناه اللغوي، وهو الرجوع إلى الشيء.. والشيء المرجوع إليه هنا هو ما قالوه، وهو قولهم: «أنت علىّ كظهر أمي» ورجوعهم إلى هذا القول، هو رجوعهم إليه رجوعا متلبسا بنسائهم اللائي وقع عليهن هذا القول، حيث لا يكون لهذا القول وجه يرى عليه إلّا مع من وقع عليهن الظهار من النساء.
فالظهار، المعروف في الجاهلية كان يحرّم المرأة على الرجل، ويقطع العلاقة الزوجية بينهما، فإذا ظاهر الرجل من امرأته فلا سبيل إلى الرجوع إليها.
وقد واجه الإسلام هذا الظهار، ولم يعجل بالتعرض له، حتى يقع، فيلقاه بالحكم المناسب.. فلما وقع أول ظهار في الإسلام، وجاءت المرأة تعرض أمرها على النبي، تنزلت هذه الآيات، في شأن الظهار، وأنه لا يقطع العلاقة الزوجية قطعا باتّا، وأن على من يريد أن يعيد الحياة إلى حالها الأولى، أن يكفّر عن هذا القول المنكر، بما بينه اللّه سبحانه وتعالى في آياته البينات.
فقوله تعالى: {ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا} معناه- واللّه أعلم- ثم يعودون إلى الموضع الذي قالوا فيه هذا القول، حيث يجدون نساءهم اللائي ظاهروا منهن، ولكن على ألا يمسوهن إلا بعد أن يقدموا كفارة هذا الفعل الآثم.
والسؤال هنا: إذا كان المعنى على أن يعود المظاهرون إلى نسائهم اللائي ظاهروا منهن- إذا كان المعنى على هذا، فلم لا يجيء النظم القرآنى هكذا مثلا: والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون إليهن؟.
ونقول: وكيف يكون القرآن معجزا إذا جاء على هذا المستوي البشرى من النظم؟ وهل يوزن كلام اللّه بهذا الميزان الذي يوزن به كلام الناس؟
ندع هذه التساؤلات التي لا محل لها، فما من مسلم إلا وهو على يقين بأن وراء كل كلمة من آيات اللّه أكثر من معجزة، وإن خفيت عليه.
وننظر في قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْ نِسائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا}، على معنى ثم يعودون إلى نسائهم.
فنجد أن إيقاع فعل العود على القول- لا على النساء المظاهر منهن- فيه مواجهة للمظاهرين بهذا القول المنكر الذي قالوه، حيث حين يعودون إليه، فيجدونه حائلا بينهم وبين نسائهم، ثم إنهم إذا أرادوا أن يدفعوا يده التي أمكنته من نسائهم، وحالت بينهم وبينهن- لم يكن ذلك إلا بعد أن يقدموا الثمن عاليا لدفعه.
وبهذا يتمثل هذا القول لمن يعود إليه- وهو في حاله تلك- ليدفعه عن زوجه- يتمثل له في صورة منكرة أشد الإنكار، حيث يراه وقد أخذ مكانه من زوجه، وحال بينه وبينها، وأنه حين أراد رفع يده عن زوجه، بذل في سبيل ذلك عتق رقبة، أو صيام شهرين متتابعين، أو إطعام ستين مسكينا.. على ما سنبين ذلك بعد قليل.
ولو وقع الفعل {يعودون}، على النساء، لاختفى وجه هذا القول، ولم يحسب له حساب في هذا المقام، الأمر الذي يفوّت الحكمة العالية من التشنيع على هذا المنكر من القول.
وقوله تعالى: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا} هو خبر لقوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْ نِسائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا}.
واقتران الخبر بالفاء، لما في المبتدأ من معنى الشرط، فكأن المعنى قائم على جملة شرطية وجوابها، والتقدير: ومن ظاهروا منكم من نسائهم فعليهم تحرير رقبة من قبل أن يتماسا.
فتحرير الرقبة- أي عتقها من الرق- هو الكفارة التي تلزم المظاهر، حتى تحل له زوجه التي ظاهر منها.
وقوله تعالى: {مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا} هو قيد متمم للخبر، أي أن تحرير الرقبة يجب أن يسبق مسّ الزوج زوجه، إذ أنها قبل تحرير الرقبة تكون محرمة عليه، ولن يعيدها إلى الحل إلا تحرير الرقبة، إن كان المظاهر قادرا على ذلك.
والمراد بالمسّ، مس الشهوة، سواء أكان ذلك بمجرد اللمس، أو بالمباشرة، التي تكون بين الرجل والمرأة.
هذا، ويذهب بعض المفسرين إلى أن الحرمة إنما تقع على الرجل لا على المرأة، حيث أنه هو الذي ظاهر، وهذا يعنى أن المرأة لو مسّت الرجل بشهوة، فإنه لا حرمة عليها.
وهذا خلاف ما يشير إليه قوله تعالى: {مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا} حيث أسند الفعل إليهما معا.. ولو كانت الحرمة بالظهار واقعة على الرجل وحده، لجاء النظم هكذا: من قبل المس مثلا، أو من قبل أن تمسوهن!.
وقوله تعالى: {ذلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ} أي هذا الحكم الذي أخذتم به في كفارة الظهار، إنما ليكون لكم منه عظة وعبرة، فلا تعودوا إليه مرة أخرى، كما أن فيه زاجرا لغير المظاهرين، فلا يقع منهم ظهار، وقد عرفوا ماوراءه من بلاء.
وفى قوله تعالى: {وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} تنبيه إلى أن اللّه سبحانه وتعالى مطلع على ما يكون من المظاهرين الذين يخونون أنفسهم، فيعودون إلى نسائهم من غير كفارة، وأنهم مؤاخذون بالتعدي على حدود اللّه.
وقوله تعالى: {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً}.
أي فمن لم يجد في يده رقبة يعتقها، فعليه صيام شهرين متتابعين، أي ستين يوما متصلة، لا يقطعها بفطر يوم أو أكثر، فإن قطعها، بدأ صيام الشهرين من جديد.. فمن لم يستطع صوم شهرين متتابعين، كان عليه إطعام ستين مسكينا.
فكفارة الظهار، مرتبة بهذا الترتيب: عتق رقبة، فمن لم يجد، فصيام شهرين متتابعين، فمن لم يستطع الصوم فإطعام ستين مسكينا.. ولا يصحّ الإتيان بالثاني إلا إذا عجز عن الأول، ولا الصيرورة إلى الثالث إلا إذا لم يستطع الثاني.
وجاء النظم القرآنى في مواجهة تحرير الرقبة بقوله تعالى: {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ} على حين جاء في صيام الشهرين المتتابعين بقوله تعالى: {فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ}.
لأن تحرير الرقبة لا يكون إلا عن وجد ومقدرة، وملك للرقبة.. أما الصيام فلا يكون إلا عن استطاعة وقدرة على احتماله.
وقوله تعالى: {ذلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ}.
أي هذه الأحكام التي حكم عليكم بها، إنما هي لتصحح إيمانكم باللّه ورسوله، ولتقيمكم على دينه القويم.
وقوله تعالى: {وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ أَلِيمٌ}.
أي هذه حدود اللّه، فالزموها، وخذوا أنفسكم بها، فإنّ تعدّى هذه الحدود، والاستخفاف بها، هو مدخل إلى الكفر باللّه، وللكافرين عذاب أليم.
قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَما كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَقَدْ أَنْزَلْنا آياتٍ بَيِّناتٍ وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ}.
الذين يحادّون اللّه: أي يخرجون على حدوده، ويستخفون بحرماته.
كبتوا: أي ذلّوا، وأهينوا.
والمعنى: أن الذين لا يمتثلون أمر اللّه، ولا يحرمون ما حرم اللّه، ولا يحلّون ما أحل- لن تكون عاقبتهم إلّا الخزي والهوان، والخسران.. هكذا شأن الخارجين على حدود اللّه، في كل زمان ومكان.. {وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ} [18: الحج] وقوله تعالى: {وَقَدْ أَنْزَلْنا آياتٍ بَيِّناتٍ وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ} أي أن اللّه سبحانه قد بين للناس على يد رسله، مواقع حدوده، وأوضح لهم الطريق المستقيم، وأنه لا عذر لهم بعد هذا البيان المبين.. فمن كفر بآيات اللّه، واعتدى على حدوده، فله عذاب مهين.
وقد وصف العذاب في الآية السابقة، بأنه عذاب أليم، لأنه في حق المؤمنين الذين يعصون اللّه ثم لا يصالحونه سبحانه، بالتوبة إليه والعمل الصالح الذي يرضيه.
فهذا العذاب تأديب لهم، وإصلاح لا عوجاجهم.. أما ما جاء في الآية التالية من وصف العذاب بأنه عذاب مهين، فهو في حق الكافرين الذين يحادون اللّه ورسوله، وهؤلاء إنما يعذبون عذابا لا يراد به إصلاحهم وتأديبهم، وإنما يراد به إذلالهم وإهانتهم وكبتهم، لأنهم بكفرهم باللّه ومحادتهم له، استوجبوا هذا الهوان من اللّه {ومن يهن اللّه فما له من مكرم}.
وقد وضع المؤمنون العصاة المصرون على العصيان، موضع الكافرين، لأنهم بعصيانهم وإصرارهم على العصيان أقرب للكفر منهم إلى الإيمان.. ومع هذا فإن إيمانهم بإله واحد، هو ضمان لهم آخر الأمر، بالخروج من النار.
قوله تعالى: {يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا أَحْصاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} يوم: ظرف متعلق بقوله تعالى: {وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ} أي أن للكافرين عذابا مهينا يوم يبعثهم اللّه جميعا.. {فَيُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا} أي فيكشف لهم عن أعمالهم السيئة، ويدينهم بها.
وقوله تعالى: {أَحْصاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ}.
الضمير في أحصاه، يعود إلى العمل المفهوم من قوله تعالى: {بِما عَمِلُوا} أي ينبئهم اللّه بعملهم الذي أحصاه سبحانه وجمع ما تفرق منه، على حين أنهم نسوا كثيرا مما عملوا، ولم يعودوا يذكرونه {وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} أي واللّه عالم كل شيء عملوه علم شهادة وحضور.
لا تخفى على اللّه خافية في الأرض ولا في السماء.